رؤية بلدية جباليا النزلة للتعافي وإعادة البناء وقيادة المجتمع المدني
رؤية بلدية جباليا النزلة للتعافي وإعادة البناء وقيادة المجتمع المدني
كتب: م. مازن النجار، رئيس بلدية جباليا النزلة
تسعى بلدية جباليا إلى قيادة مرحلة التعافي وإعادة بناء الحياة المجتمعية في المدينة، بعد ما خلفته الحرب الأخيرة من آثار وتحديات جسيمة، حيث تعرضت ما يقارب 90% من المباني والبنية التحتية لأضرار ودمار واسع، الأمر الذي استدعى إعداد رؤية شاملة تستهدف إعادة الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها، واستعادة مقومات الاستقرار والتنمية المستدامة.
ويأتي هذا الجهد في ظل عودة تدريجية للسكان إلى مناطق نفوذ البلدية، حيث تجاوز عدد العائدين 120 ألف نسمة من أصل نحو 280 ألف نسمة قبل الحرب، رغم أن ما يقارب 66% من نطاق نفوذ البلدية يقع ضمن ما يعرف بالخط الأصفر، بما يفرض تحديات استثنائية أمام جهود إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية.
وتستند هذه الرؤية إلى نهج تشاركي يركز على التعافي الشامل الذي يجمع بين إعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز صمود المجتمع، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف الملائمة لعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن استجابة فعالة للاحتياجات المتغيرة للسكان خلال المرحلة المقبلة.
كما شهدت المدينة واقعًا عمرانيًا وسكانيًا جديدًا تمثل في نشوء أحياء مستحدثة بالكامل نتيجة موجات النزوح وتوسع مراكز الإيواء، إلى جانب انتشار 161 مخيمًا داخل نطاق البلدية، ما أفرز نسيجًا سكانيًا جديدًا يتطلب إعادة تنظيم شاملة للخدمات والموارد والبنية الإدارية بما يتلاءم مع المتغيرات الراهنة.
وانطلاقًا من إيمان البلدية بأهمية المشاركة المجتمعية، يجري العمل على تشكيل وانتخاب 26 لجنة حي تمثل مختلف مناطق المدينة، بما فيها الأحياء المستحدثة، بهدف تعزيز الشراكة بين البلدية والمواطنين، والمساهمة في تحديد الأولويات وتحسين الخدمات والاستجابة للاحتياجات المحلية بصورة أكثر فاعلية.
وتتبنى البلدية رؤية متكاملة للتعافي السريع تقوم على تشجيع عودة المواطنين إلى مناطقهم الأصلية، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، ودعم الأنشطة التجارية والاستثمارية، وتهيئة البيئة المناسبة لإعادة الإعمار والتنمية واستعادة دورة الحياة الطبيعية في المدينة.
كما تضع البلدية ملف النازحين في صدارة أولوياتها، من خلال تطوير المخيمات القائمة وإنشاء مخيمات جديدة عند الحاجة، وتحسين بنيتها التحتية وخدماتها الأساسية، والعمل تدريجيًا على استبدال الخيام بالكرفانات السكنية فور توفرها، بما يوفر ظروفًا معيشية أكثر أمانًا واستقرارًا وكرامة.
وفي إطار إعادة إحياء المرافق العامة، تعمل البلدية على تأهيل الواجهة البحرية وإعادة تشغيل المصليات وصالات الأفراح والملاعب والمرافق المجتمعية المختلفة وصيانة ما تضرر منها، باعتبارها ركائز أساسية للحياة الاجتماعية وتعزيز التماسك المجتمعي.
كما تبذل البلدية جهودًا متواصلة لتحسين خدمات الكهرباء بالتنسيق مع الجهات المختصة، من خلال تشغيل المولدات وإنارة الشوارع والطرق العامة، بما يسهم في رفع مستوى الخدمات وتعزيز الأمن والاستقرار.
وتولي البلدية اهتمامًا خاصًا بإعادة تنشيط الحركة التجارية عبر تأهيل الأسواق القديمة وإعادة فتحها، ودراسة إنشاء أسواق جديدة تستوعب النشاط الاقتصادي المتزايد وتلبي احتياجات السكان والتجار.
وفي قطاعي التعليم والصحة، وبالتعاون مع الشركاء والمؤسسات المعنية، يجري إنشاء مراكز تعليمية للحد من الفاقد التعليمي وضمان استمرار العملية التعليمية، إلى جانب إقامة عيادات طبية ونقاط إسعاف أولي لتعزيز الخدمات الصحية وتخفيف الضغط عن المرافق الطبية.
وتؤكد البلدية أنها تمكنت من الحفاظ على سجلاتها التاريخية الكاملة التي تمتد لأكثر من سبعين عامًا، ولم تفقد أيًا من بياناتها أو أرشيفها خلال فترة الحرب، رغم الظروف الاستثنائية التي مرت بها المدينة. كما تعلن استعدادها الكامل لاسترداد وتحديث أي معلومة تتعلق بالمواطنين، وإعادة توثيق وترسيم حدود الأراضي والممتلكات التي تأثرت أو تغيرت معالمها نتيجة الحرب، بما يضمن حفظ الحقوق وصون الملكيات وتسهيل الإجراءات القانونية والإدارية.
وإيمانًا منها بأن التعافي الحقيقي يبدأ بالإنسان، تسعى بلدية جباليا إلى استعادة المواطنة المفقودة التي تأثرت بفعل الحرب وما رافقها من نزوح وحرمان وانقطاع للخدمات وتراجع في حضور المؤسسات العامة، حيث فقد كثير من المواطنين شعورهم بالاستقرار والقدرة على الوصول إلى حقوقهم وخدماتهم الأساسية. ومن هذا المنطلق تعمل البلدية على إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وتمكين المواطنين من استعادة حقوقهم وخدماتهم، وتعزيز مشاركتهم في صناعة القرار المحلي، وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية والشراكة المجتمعية، بما يعيد للمواطن مكانته كشريك أساسي في بناء المدينة ومستقبلها.
كما تعمل البلدية على استعادة دورها الريادي كمؤسسة مجتمعية وتنموية تقود جهود التعافي وإعادة البناء، وتكون حاضنة للمبادرات المجتمعية والشراكات المحلية والدولية، وقاطرة للتنمية والاستقرار والصمود، بما يعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم المحلية ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل المشترك.
وتؤمن بلدية جباليا بأن التعافي الحقيقي لا يقتصر على إعادة بناء الحجر فحسب، بل يشمل إعادة بناء الإنسان والمجتمع واستعادة الأمل والثقة بالمستقبل، بما يرسخ أسس مدينة قادرة على النهوض والتطور ومواجهة التحديات، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لأبنائها.
معًا نحو جباليا أكثر حيوية، وأكثر قدرة على البناء وصناعة المستقبل.
م. مازن النجار
رئيس بلدية جباليا النزلة